نادراً ما تحصل المدن على فرصة ثانية لكتابة هويتها. القاهرة القديمة واحدة من هذه المدن. لقرون طويلة، نمت المدينة في طبقات، أضاف كل منها طابعا مختلفا وإيقاع جديد وعمق ثقافي متراكم. لكن مثل كثير من العواصم الكبرى، بدأت أجزاء من قلب القاهرة التاريخي تفقد قدرتها على مواكبة الحياة الحديثة. المباني قديمة، الطرق ضيقة، البنية التحتية تهالكت أسرع مما جرى إصلاحها. ما كان يمنح القاهرة سحرها أصبح أيضاً سبباً في بطئها وازدحامها وصعوبة إدارتها.
اليوم، تتغير هذه الرواية. حركة وطنية واسعة تعيد تشكيل القاهرة القديمة لتصبح أكثر سهولة، وأكثر حضوراً، وأكثر نشاطاً اقتصادياً. هذا التحول لا يتعلق بالتجميل فقط. بل يعكس إدراكاً واضحاً أن بناء مستقبل القاهرة لا يمكن أن يحدث من دون إعادة إحياء القاهرة القديمة.
تجديد وسط البلد، تطوير العتبة، ومشروع حديقة الفسطاط، وإحياء مناطق التراث المختلفة كلها تشير إلى فكرة واحدة. مصر لا توسّع مدنها الجديدة فقط. بل تعيد كتابة العلاقة بين الهوية والبنية التحتية والتراث.
مدينة تتذكّر قيمتها
القاهرة القديمة لم تكن يوماً مجرد مبانٍي. كانت دائماً أرشيفاً عاطفياً، طبقات من الحكايات والأحياء والعمارة والأنماط الاجتماعية التي صنعت الهوية المصرية. وسط البلد كان مركزاً ثقافياً للمنطقة. العتبة كانت النبض التجاري الذي يخدم ملايين الناس. الفسطاط كانت بداية القاهرة الإسلامية. ومع توسّع المدينة الحديثة، بدأت هذه المناطق تفقد قدرتها على خدمة سكانها مع تزايد الضغط والبنية التحتية المتقادمة.
الموجة الحالية من التجديد تتعامل مع هذه المناطق بطريقة مختلفة. بدلاً من اعتبار القاهرة القديمة منطقة تاريخية صامتة، الرؤية الجديدة تعيد تفعيلها كبيئة حية قابلة للإنتاج الاجتماعي والاقتصادي. ترميم واجهات وسط البلد وتنظيم ساحاته العامة ليتم تحويلها إلى متحف مفتوح، ولإعادة قدرتها على الحياة، لنرى النشاط الثقافي والتجاري يعود تدريجياً. الهدف هو السماح للنسيج التاريخي بالتنفس، مع منحه الأدوات التي يحتاجها ليعمل في زمن مختلف.
أما الفسطاط، فهي تقدم طبقة أخرى من الرؤية. مشروع حديقة الفسطاط يمثل واحدة من أكبر المساحات الخضراء المتصلة في المنطقة، رابطاً بين المواقع الأثرية والمناطق السكنية والمعالم الثقافية. ليست مجرد حديقة، بل خطوة لاستعادة الحياة الخارجية في القاهرة، على نطاق كانت المدينة بحاجة إليه منذ عقود. المدن التي تستثمر في حدائق بهذا الحجم تحقق مكاسب في السياحة، والصحة العامة، والبيئة، وقيمة العقارات. والقاهرة الآن تنضم إلى هذا الاتجاه العالمي.
العتبة بدورها تختلف عن المنطقتين. فهي ليست منطقة واجهات، بل منطقة حركة وتجارة وتداخل اجتماعي يومي. تطويرها يركّز على التنظيم وليس الاستبدال. الهدف هو الحفاظ على هويتها التجارية مع تحديث البنية التحتية لتصبح أكثر أماناً وأكثر قدرة على العمل بكفاءة. تجديد الأسواق من دون محو هويتها يحافظ على أصالتها ورفع إنتاجيتها.
من هذه المناطق الثلاث تتضح رؤية واحدة: القاهرة لا تُجمَّل، القاهرة تستعيد سحرها.
لماذا الآن؟
التجديد لا يحدث لأنه مطلوب فقط، بل لأنه يصبح ضرورياً في لحظة معينة. والقاهرة وصلت إلى هذه اللحظة.
توسّع القاهرة الكبرى خلال العقد الأخير خلق توازناً حضرياً جديداً. القاهرة الجديدة، العاصمة الإدارية، مدينة المستقبل، وشبكات الطرق العملاقة كلها أعادت توزيع السكان والضغط المروري. هذا الانخفاض النسبي في ضغط وسط القاهرة جعل عملية التجديد ممكنة من دون تعطيل المدينة بالكامل. قبل سنوات، أي محاولة لإعادة بناء قلب القاهرة كانت ستسبب شللاً تاماً. اليوم، تستطيع المنظومة تحمّل هذا التغيير.
هناك أيضاً منطق اقتصادي. السياحة العالمية تتغير. الزوار باتوا يفضلون مدناً تُقدّم تجربة حضارية كاملة، شوارع قابلة للمشي، قصص ثقافية متصلة، ومعماراً يروي تلك الحضارة القديمة. القاهرة تمتلك المحتوى. لكنها كانت تفتقد التنظيم. تطوير وسط المدينة يعيد وضع القاهرة كمدينة يمكن أن تُزار لعدة أيام، وليس فقط لزيارة معلم أو اثنين.
هناك أيضاً منطق ثقافي. مصر تستثمر في المتاحف، وفي تطوير المواقع الأثرية، وفي برامج ثقافية على نطاق كبير. هذه الاستثمارات تحتاج بيئة مناسبة. القاهرة القديمة هي هذه البيئة.
ثم هناك منطق عملي. البنية التحتية الحديثة طرق، كبارى، أنفاق، أنظمة حركة، وأنظمة تخطيط رقمي منحت القاهرة ادوات كان من المستحيل توفرها قبل سنوات. مناطق كانت مستعصية على الحل أصبحت اليوم قابلة لإعادة التنظيم.
التوقيت ليس صدفة. بل نتيجة التقاء الحاجة والرؤية والأدوات.
كيف يُعيد التجديد تشكيل مستقبل مصر الاقتصادي
غالباً ما يُناقش التجديد الحضري من زاوية الجماليات. لكن في حالة القاهرة، الآثار الاقتصادية لا تقل أهمية.
عندما يُعاد تنظيم المركز التاريخي، يتحرك الاقتصاد في أكثر من اتجاه. السياحة تتوسع، المطاعم والمتاجر تزيد نشاطها، الحرف التقليدية تستعيد قيمتها، والهوية التجارية للمناطق تنشط مجدداً. الفنادق تستفيد. الأعمال الصغيرة تجد جمهوراً أكبر.
قيمة العقارات ترتفع، ليس بسبب المضاربة، بل بسبب جودة البنية التحتية وتنظيم الحركة. المستثمر يرى استقراراً. الساكن يرى جودة. الأعمال ترى فرصة.
خلق الوظائف يصبح واسعاً: ترميم، إنشاءات، إدارة مساحات عامة، تنظيم فعاليات، تشغيل خدمات. حتى تكاليف تشغيل المدينة تنخفض على المدى الطويل لأن البنية التحتية الجديدة تقلل الأعطال والمفاجآت. المدن التي تمنع التدهور توفر المال أكثر من المدن التي تصلحه بعد حدوثه.
وهناك قيمة رمزية مهمة. عندما تستثمر دولة في قلبها القديم، فهي تقول للعالم إنها لا تهرب من تاريخها، بل تبنيه من جديد بثقة.
رؤية أكبر من الأحياء نفسها
ما لا يُقال كثيراً هو الفكرة الأكبر. تجديد القاهرة ليس حملة تجميل، وليس مبادرة تراثية فقط. إنه تعريف جديد لما يجب أن تكون عليه المدينة المصرية.
مدينة يتجاور فيها القديم والجديد بلا تناقض.
مدينة لا تُفصل فيها الحياة اليومية عن الثقافة.
مدينة لا تطغى فيها المناطق الجديدة على الهوية بل تتكامل معها.
القاهرة التي تُبنى اليوم لا تقلّد أي مدينة. إنها تستعيد منطقها الخاص: عمق، وتنوع، ومساحات مشي، وحياة عامة، وحضور ثقافي مستمر. لذلك تختلف استراتيجية كل منطقة: وسط البلد تركز على الإيقاع العمراني، الفسطاط على المشهد الطبيعي والهوية، العتبة على الاقتصاد الشعبي والتنظيم. ومعاً يشكلون نموذجاً لمدينة كبرى تحفظ روحها وتبني مستقبلها في الوقت نفسه.
الطريق إلى المستقبل
هذا التحول لن يكون سريعاً. إعادة تأهيل المباني التاريخية يحتاج وقتاً. الأسواق تحتاج فهماً اجتماعياً. الحدائق تحتاج وقت لتنمو. الأحياء تحتاج وقتاً لتتعافى. لكن الاتجاه واضح. القاهرة تدخل عصراً جديداً من النمو.
المدن العالمية لا تُبنى من أطرافها فقط. تحتاج قلباً قوياً وهوية ثقافية واقتصاداً قادراً على التنفس من جميع الاتجاهات. القاهرة القديمة في طريقها إلى أن تصبح كل ذلك. وما يحدث اليوم سيحدد شكل المدينة التي سيرثها الجيل القادم. القاهرة لن تكون مميزة فقط بما كانت عليه، بل بما قررت أن تصبح.