لم تعد الاستدامة في مصر موضوعًا جانبيًا أو حديثًا يقتصر على المؤتمرات والندوات. خلال السنوات الأخيرة، أصبحت كلمة “البيئة” حاضرة في نقاشات الشباب بشكل واضح، ليس لأنها أصبحت موضة جديدة، بل لأنها بدأت تلامس الواقع اليومي بصورة مباشرة. ما يميز هذا التحول أن الاهتمام لم يعد مرتبطًا بالشعارات الكبيرة فقط، بل صار يظهر في اختيارات صغيرة، وفي لغة جديدة عن الحياة، وفي نظرة مختلفة للمستقبل. جيل الشباب في مصر لا يتعامل مع الاستدامة كفكرة مثالية بعيدة، بل كفكرة مرتبطة بجودة الحياة، وبالمدن التي يعيشون فيها، وبالطريقة التي يتخيلون بها سنواتهم القادمة.
هذا الاهتمام ليس مفاجئًا إذا نظرنا إلى الصورة الكبيرة. مصر تمتلك قاعدة شبابية ضخمة، ما يعني أن أي اتجاه فكري ينتشر بين الشباب لا يبقى محصورًا داخل دائرة صغيرة، بل يتحول إلى تيار واسع ينعكس على المجتمع كله، من الثقافة الرقمية إلى السوق إلى طريقة استهلاك المنتجات وحتى طبيعة النقاشات العامة. وعندما يكون هذا الجيل في مرحلة يبحث فيها عن معنى وحضور وتأثير، تصبح القضايا البيئية مساحة طبيعية للحركة، لأنها تجمع بين المسؤولية، والانتماء، والرغبة في التغيير، وكلها عناصر تهم الشباب بشكل خاص.
قاعدة شبابية كبيرة تجعل الموضوع حاضرًا في كل مكان
في مصر، الشباب ليسوا شريحة صغيرة يمكن تجاهلها، بل هم جزء ضخم من التركيبة السكانية. وهذه الحقيقة وحدها تفسر لماذا أصبح الحديث عن الاستدامة يظهر بسرعة وفي أكثر من مساحة. حين يكون الشباب بالملايين، تصبح الاهتمامات المشتركة بينهم كأنها موجة تتحرك في المجتمع كله، حتى لو بدأت من دوائر محدودة. ويصبح من الطبيعي أن تتحول الاستدامة إلى موضوع حاضر في الجامعة، وفي منصات التواصل، وفي المحتوى اليومي، وفي النقاشات داخل البيوت، وحتى في طريقة فهم الناس للمدينة التي يعيشون فيها.
الاستدامة هنا لا تنتشر من طريق واحد، بل تتوسع عبر أساليب متعددة، محتوى رقمي، مجموعات شبابية، مساحات للتعلم، ومبادرات تشجع المشاركة. ومع هذا التنوع، يتحول الاهتمام إلى شيء مستمر، وليس موجة سريعة تختفي. لأن الشباب عندما يدخلون موضوعًا بهذه الطريقة، لا يتعاملون معه كخبر، بل كمساحة يمكنهم أن يكون لهم فيها دور.
القلق البيئي عند الشباب ليس فكرة عالمية فقط بل إحساس محلي
الكثير من الشباب حول العالم يشعرون بالقلق تجاه التغير المناخي، لكن في مصر تحديدًا يأخذ الموضوع طابعًا قريبًا من الحياة اليومية. ليست القضية مجرد أرقام عن حرارة الأرض أو تقارير بعيدة، بل مشاهد ملموسة تتكرر، صيف أطول وأكثر قسوة، شعور بالضغط الحراري داخل المدن، تغيرات ملحوظة في الطقس، وإحساس عام بأن البيئة لم تعد مستقرة كما كانت. هذا النوع من التجربة يجعل الاستدامة أقرب لفكرة “كيف نعيش بشكل أفضل” وليس مجرد “كيف نحمي الطبيعة” فقط.
وهنا يظهر فرق مهم. عندما يصبح تغير المناخ مرتبطًا براحة الناس اليومية، فإنه يتحول إلى قضية نفسية أيضًا، لأنه يضيف طبقة جديدة من القلق على المستقبل. الشباب في مصر يعيشون أصلًا داخل واقع سريع التغير، اقتصاديًا واجتماعيًا ومدنيًا، لذلك يصبح التغير البيئي جزءًا من نفس الصورة الكبرى، مستقبل غير ثابت بالكامل، وتفاصيل يومية تحتاج إلى تكيّف دائم. ووسط هذا كله، تصبح الاستدامة بالنسبة لكثيرين محاولة لاستعادة نوع من السيطرة، أو على الأقل الشعور بأن هناك شيئًا يمكن فعله بدل الاستسلام لفكرة أن كل شيء يسير في اتجاه مجهول.
الاستدامة أصبحت لغة أسلوب حياة وليست مجرد قضية
جزء كبير من قوة الاستدامة عند الشباب يأتي من أنها تحولت إلى “لغة” وليست مجرد موضوع. هناك جيل كامل يعيد تعريف شكل الحياة الجيدة. الحياة الجيدة لم تعد مرتبطة فقط بالمظهر أو الرفاهية، بل أصبحت مرتبطة أيضًا بالوعي، وبالاختيارات الذكية، وبالتقليل من العشوائية، وبالإحساس أن الشخص يعيش بشكل منظم وليس مستنزفًا طوال الوقت. وهنا، الاستدامة تندمج بسهولة في هذا المنطق، لأنها في النهاية فكرة تقوم على تقليل الهدر، وتحسين الاستخدام، والعيش بطريقة أبسط وأكثر وعيًا.
ولهذا ترى الاستدامة تظهر أحيانًا في تفاصيل تبدو صغيرة، مثل الاهتمام بتقليل الاستهلاك المبالغ فيه، أو محاولة تقليل المخلفات، أو الميل لمنتجات أكثر عملية، أو حتى إعادة التفكير في فكرة “الشراء لمجرد الشراء”. كثير من الشباب لا يتحدثون عن الاستدامة كقضية سياسية أو اقتصادية، بل كاختيار يومي يرتبط بفكرة أساسية، كيف نعيش بشكل أفضل وأخف وأذكى.
هذه اللغة تنتشر بسرعة لأنها لا تحتاج إلى شرح طويل. لا تحتاج إلى تقارير أو إحصاءات لكي تصبح مفهومة. يكفي أن تصبح جزءًا من الذوق العام، ومن أسلوب الحياة، ومن نوع المحتوى الذي يتداوله الشباب يوميًا. وعندما تصبح الاستدامة جزءًا من الذوق، فإنها تنتقل من كونها “موقف” إلى كونها “معيار”.
العمل البيئي أصبح أسهل عندما صار له مسار واضح
الحماس لا يكفي وحده. أي فكرة تحتاج إلى طريقة تطبيق حتى تتحول إلى حركة. وفي مصر، خلال الفترة الأخيرة، أصبح للعمل البيئي مسارات أكثر وضوحًا للشباب. هناك فعاليات ومبادرات، وهناك تجارب تعليمية تشبه المحاكاة، وهناك مساحات يشارك فيها الشباب بمشروعات صغيرة أو أفكار أو فرق عمل. وجود هذه المسارات يجعل الاستدامة محسوسة أكثر، لأنها لم تعد مجرد دعوة عامة، بل أصبحت تجربة يمكن الدخول إليها.
عندما يستطيع الشاب أن يشارك، ويتعلم، ويطبق، ويتواصل مع غيره، يصبح العمل البيئي أقل تجريدًا وأكثر واقعية. وهذا مهم لأن كثيرًا من القضايا تفشل عند نقطة التحول من الاهتمام إلى الفعل. الناس قد تتفق مع الفكرة، لكن لا تعرف كيف تدخلها. هنا، البيئة تقدم أكثر من باب للدخول، ويمكن للشخص أن يبدأ بشكل بسيط ثم يتوسع.
والشباب بطبيعتهم يتفاعلون مع المساحات التي تمنحهم تجربة، لا مجرد خطاب. هم جيل يرى أن التعلم يجب أن يكون عمليًا، وأن المشاركة يجب أن تكون ملموسة، وأن التأثير يجب أن يكون قابلًا للرؤية. لذلك، أي بيئة توفر لهم هذا الإحساس تصبح بيئة مناسبة لاستمرار الشغف، وليس مجرد حماس مؤقت.
من الاستدامة كفكرة إلى الاستدامة كحياة داخل المدن
الأكثر إثارة في الموضوع أن الاستدامة لم تعد منفصلة عن شكل المدن نفسها. الشباب لا يربطون البيئة فقط بالتشجير أو التدوير، بل يربطونها مباشرة بالعيش داخل المدينة. كيف تتحرك في يومك؟ كم وقت يضيع؟ هل المكان خانق؟ هل هناك هواء ومساحة وحياة؟ هل المدينة تستهلكك أم تساعدك؟ هذه الأسئلة أصبحت جزءًا من نفس النقاش، وهي في الحقيقة أسئلة بيئية أيضًا حتى لو لم تُذكر بهذه الصيغة.
هنا تظهر علاقة الاستدامة بالعقار بشكل طبيعي جدًا. ليس من ناحية التسويق، ولا من ناحية الشعارات، بل من ناحية الحياة نفسها. لأن العقار ليس جدرانًا فقط. العقار هو محيط، وشارع، وإيقاع يومي، ومستوى راحة. الشباب اليوم أكثر حساسية لفكرة أن المكان الذي يعيشون فيه يمكن أن يرفع جودة حياتهم أو يستهلكها. لذلك يبدأون في التفكير بشكل مختلف. ليس فقط شقة جميلة، بل حي عملي. ليس فقط كمبوند، بل تجربة معيشة. ليس فقط واجهة، بل تنظيم.
وهذا يربط الاستدامة مباشرة بمفاهيم مثل الراحة اليومية، وتقليل الضغط، وتقليل الهدر في الوقت والطاقة. وكلها عناصر بيئية بمعناها الواسع، حتى عندما لا تُكتب تحت عنوان “الاستدامة”.
التحول القادم ليس في الوعي بل في المعايير
المرحلة القادمة في مصر لن تكون مرحلة إقناع الناس بأن البيئة مهمة، لأن هذا الوعي موجود بالفعل لدى الشباب بشكل متزايد. المرحلة القادمة ستكون مرحلة “المعايير”، أي أن الشباب سيبدأون في توقع سلوك مختلف من السوق، من المنتجات، ومن الخدمات، ومن أسلوب التخطيط. الاستدامة ستتحول من فكرة جيدة إلى شرط ضمني. ليس بالضرورة بصيغة قوانين، بل بصيغة توقعات.
والشباب يملكون قوة كبيرة هنا لأنهم يعبرون عن رأيهم علنًا وبسهولة. يتحدثون على الإنترنت، يشاركون تجاربهم، يدعمون ما يقتنعون به، وينتقدون ما يرونه غير منطقي. هذا الضغط العلني لا يحتاج إلى تنظيم ضخم كي يؤثر، لأنه يتكرر يوميًا ويصنع اتجاهات جديدة في السوق مع الوقت.
ومع تراكم هذه المعايير، ستبدأ المدن نفسها في مواجهة أسئلة مختلفة. ما الذي يجعل مكانًا قابلًا للحياة؟ ما الذي يجعل منطقة مريحة؟ ما الذي يجعل الاستثمار في مكان منطقيًا على المدى الطويل؟ وهذه الأسئلة ستعيد ترتيب كثير من الأولويات، لأنها تربط البيئة بالاقتصاد وبالعقار وبالحياة اليومية في نفس الوقت.
الخلاصة
الشباب المصري يهتم بالاستدامة والعمل البيئي لأن الموضوع أصبح منطقيًا داخل واقعهم. القاعدة الشبابية الكبيرة تجعل أي اتجاه ينتشر بينهم يتحول إلى تيار واسع. القلق البيئي ليس مجرد خبر عالمي، بل إحساس محلي مرتبط بالحرارة والمدينة وجودة الحياة. والاستدامة لم تعد فكرة نظرية، بل أصبحت لغة أسلوب حياة، ومساحة مشاركة، ومعيارًا يتطور تدريجيًا داخل نظرة الشباب للمستقبل.
الاستدامة في مصر لم تعد موضوعًا يمر مرور الكرام. هي جزء من طريقة التفكير الجديدة حول كيف نعيش داخل المدن، وكيف نبني مستقبلًا عمليًا، وكيف تصبح الحياة أقل استنزافًا وأكثر قابلية للاستمرار.